الرئيسية / حلقات دراسية / مفاهيم الاستثمار الذهبية / الحلقة الثانية: التوجيه التربوي، عائق أم دافع للاستثمار؟
التوجيه التربوي والاستثمار

الحلقة الثانية: التوجيه التربوي، عائق أم دافع للاستثمار؟

تحدثنا في سلسلة مقالات سابقة عن التوجيه التربوي وأثره في مسار حياتنا العملية. ودون الخوض في الكثير من التفاصيل، حاولنا أن نشرح الأسباب الرئيسية التي تحدد وجهة كل شخص وتجعله يسلك طريقًا محددًا إلى إحدى خانات “الجدول الرباعي للتدفق النقدي” بدءًا من التوجيه العائلي في المنزل الأسري ومن ثم التوجيه التربوي من خلال النظام التعليمي الحالي وكيف يساهمان ومنذ البداية في تحديد هذا المسار.

في سلسة المقالات تلك التي جاءت تحت عنوان “المليار دولار، خلف الباب” أشرنا إلى الفئات الأربعة من الناس في عالم المال، وعن خانات ذلك الجدول، وتمكنّا من الوصول إلى بعض الخلاصات من خلال هذه المقالات وهذا العرض، سمحت لنا بوضع تعريفٍ للفقراء على أنهم الموظفون وأصحاب المهن الحرّة الذين يتواجدون على يسار ذلك الجدول (%90 من الناس ويملكون %10 من الثروة)، أما الأثرياء فهم رجال الاعمال والمستثمرون الذين يتواجدون على الجهة اليمنى من الجدول (%10 من الناس ويملكون %90 من الثروة).

لكن السؤال الذي نودّ طرحه اليوم هو: هل قرار الانتقال من الجهة اليسرى لذلك الجدول إلى الجهة المقابلة ما زال عبارة عن خيار؟

التوجيه التربوي والاستثمار
التوجيه التربوي والاستثمار

التوجيه التربوي والنظام التعليمي

بالحديث عن النظام التعليمي الذي لم يكن موجودًا في الواقع قبل القرن التاسع عشر، والذي أُنشئ لتغطية “احتياجات التصنيع”، كما ذكرنا سابقًا، نود العودة إلى الخبير التربوي “كين روبنسون” والذي أشرنا إليه هو أيضًا في معرض تلك المقالات السابقة. نحن اليوم بحاجة للعودة إلى ما قاله في توضيح مسألتين بالغتَيْ الأهمية في هذا الصدد، الأولى هي أن المواضيع والمواد ذات الفائدة المرتبطة مباشرة بمتطلبات العمل كانت وما زالت تتربع على قمة الهيكل الهرمي لهذا النظام، لذا تجد أن التوجيه التربوي للمدرسة يقودك بعيدًا عن الأمور التي كنت تحبها على أساس أنك لن تجد عملاً في ذلك المجال، بحيث طلب منك عدم الاهتمام بالموسيقى، لأنك لن تكون موسيقارًا، ولا تضيع وقتك على الرسم لأنك لن تصبح فنانًا، والنتيجة هي أن العديد من الموهوبين، العباقرة، والمبدعين يعتقدون أنهم ليسوا كذلك، لأن الأمور التي كانوا متميزين فيها في المدرسة لم تكن تُقدَّر، بل أكثر من ذلك، كان التوجيه التربوي يرفضها، إلا إن هذا النوع من النصائح التي ربما كانت حميدة في ذلك الوقت، هي عبارة عن أخطاء جسيمة اليوم: العالم بأسره تجتاحه ثورة، وعلى التوجيه التربوي أن يجاري تلك الثورة، فالمواهب أمست جزءًا من الملكية الفكرية التي تمثّل أصولاً، إذا تمَّت ادارتها واستثمارها بالشكل الصحيح، تشكّل مصدرًا لأهم الثروات في العالم.

التوجيه التربوي والاستثمار
التوجيه التربوي والاستثمار

الفكرة الثانية هي القدرات الأكاديمية، والتي طغت بالفعل على نظرتنا للذكاء، وذلك لأن الجامعات صمّمت النظام على صورتها، وإذا فكّرنا بالأمر، سنجد أن النظام بأسره حول العالم هو عملية طويلة الأمد لدخول الجامعة. لا يمكن للأمور أن تستمرّ على هذا النحو، فبالاضافة إلى أن هذا النظام والتوجيه التربوي الخاص به جعل من الأغلبية العظمى من الناس موظفين وأصحاب اختصاصات محددة، مبرمَجين لأداء مهامّ معينة دون غيرها وبشكل آلي، فهو قام بتقسيمهم وتصنيفهم اجتماعيًا بناءً على تلك القدرات الأكاديمية ولعدد السنين الدراسية، فأصبحت بعض المهن كالطب والهندسة والمحاماة وغيرها مهنًا “راقية” تطمح إليها وتحلم بها كل عائلة.

وفقًا لليونسكو، في الأعوام الثلاثين القادمة، سيتخرج على مستوى العالم أكثر من الذين تخرجوا منذ فجر التاريخ، نتيجة التغيير الديموغرافي والانفجار الهائل في التعداد السكاني، ونتيجة التزايد اللامتناهي للخريجين في بعض الاختصاصات، وتدريجيًا، فإن الشهادات تفقد قيمتها! منذ عقود مضت، كنتَ إذا ملكْتَ شهادةً ملكتَ الوظيفة حكمًا. إذا لم يكن لديك وظيفة فذلك لأنك لا تريدها، ولكن الآن، الشباب من حملة الشهادات غالبًا ما يمضون وقتهم بلعب ألعاب الفيديو! أنت تحتاج إلى الماجستير حيث كانت الوظيفة تتطلب بكالوريوس، كما أنك قد تحتاج إلى الدكتوراه من أجل وظيفة أخرى… إنها عملية تضخم أكاديمي وهي دلالة على أن النظام التعليمي بأكمله يتحرّك من تحت أقدامنا، ونحن بحاجة إلى إعادة التفكير في التوجيه التربوي كما في نظرتنا إلى الذكاء!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Shares